الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

242

مناهل العرفان في علوم القرآن

لكان عرضة لتغيير الصحف أو المصاحف كلما وقع نسخ ، أو حدث سبب . مع أن الظروف لا تساعد ، وأدوات الكتابة ليست ميسورة ، والتعويل كان على الحفظ قبل كل شئ . ولكن لما استقرّ الأمر بختام التنزيل ووفاة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأمن النسخ ، وتقرّر الترتيب ، ووجد من الدواعي ما يقتضى نسخه في صحف أو مصاحف ، وفّق اللّه الخلفاء الراشدين فقاموا بهذا الواجب حفظا للقرآن ، وحياطة لأصل التشريع الأول ، مصداقا لقوله سبحانه : « إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ » . جمع القرآن على عهد أبى بكر رضى اللّه عنه ألقت الخلافة قيادها إلى أبى بكر رضى اللّه عنه بعد غروب شمس النبوة ، وواجهت أبا بكر في خلافته هذه أحداث شداد ومشاكل صعاب . منها موقعة اليمامة سنة 12 اثنتي عشرة للهجرة . وفيها دارت رحى الحرب بين المسلمين وأهل الردّة من أتباع مسيلمة الكذاب ، وكانت معركة حامية الوطيس ، استشهد فيها كثير من قرّاء الصحابة وحفظتهم للقرآن ، ينتهى عددهم إلى السبعين ، وأنهاه بعضهم إلى خمسمائة ، من أجلّهم سالم مولى أبى حذيفة . ولقد هال ذلك المسلمين ، وعزّ الأمر على عمر ، فدخل على أبى بكر وأخبره الخبر واقترح عليه أن يجمع القرآن ، خشية الضياع بموت الحفّاظ وقيل القرّاء . فتردد أبو بكر أول الأمر لأنه كان وقّافا عند حدود ما كان عليه الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم يخاف أن يجرّه التجديد إلى التبديل ، أو يسوقه الإنشاء والاختراع ، إلى الوقوع في مهاوى الخروج والابتداع . ولكنه بعد مفاوضة بينه وبين عمر تجلّى له وجه المصلحة ، فاقتنع بصواب الفكرة وشرح اللّه لها صدره ، وعلم أن ذلك الجمع الذي يشير به عمر ما هو إلا وسيلة من أعظم الوسائل النافعة إلى حفظ الكتاب الشريف ، والمحافظة عليه من الضياع والتحريف ، وأنه ليس من محدثات الأمور الخارجة ، ولا من البدع